كيف تُحسب مواقيت الصلاة في التطبيقات والمواقع؟ رحلة داخل الخوارزميات الفلكية

 

يفتح ملايين المسلمين هواتفهم يومياً ليعرفوا موعد الأذان القادم، وقلة منهم يتساءلون: من أين تأتي هذه الأرقام الدقيقة؟ لا يوجد خادم مركزي يبث أوقات الصلاة للعالم، بل معادلات فلكية تُنفَّذ على جهازك أو على خادم الموقع في أجزاء من الثانية، تحسب موضع الشمس في السماء لأي بقعة على الأرض وفي أي يوم من السنة.

حساب مواقيت الصلاة

 في هذا المقال نغوص في الطبقات التقنية لهذه الحسابات، ونفهم لماذا تختلف النتائج أحياناً بين تطبيق وآخر رغم أن الشمس واحدة.


الأساس الفلكي: الصلاة مرتبطة بموضع الشمس

حددت الشريعة أوقات الصلوات بظواهر شمسية يمكن رصدها بالعين: الفجر ببداية الضوء المنتشر في الأفق، والظهر بزوال الشمس عن كبد السماء، والعصر بطول الظل، والمغرب بغروب القرص، والعشاء بغياب الشفق. ترجمة هذه الظواهر إلى أرقام تتطلب حساب "زاوية انخفاض الشمس" تحت الأفق أو ارتفاعها فوقه في كل لحظة، وهي مسألة فلكية حلّها العلماء المسلمون قديماً بالأزياج والأسطرلاب، وتحلّها اليوم بضعة أسطر من الشيفرة البرمجية.

خطوات الحساب داخل الخوارزمية

1.حساب موضع الشمس الفلكي: تبدأ الخوارزمية بحساب "اليوم اليولياني" (Julian Day) للتاريخ المطلوب، ثم تشتق منه إحداثيات الشمس: الميل الشمسي (Declination) ومعادلة الزمن (Equation of Time) التي تصحح الفارق بين التوقيت الشمسي الحقيقي وتوقيت الساعة.

2.تحديد وقت الزوال المحلي: من خط الطول ومعادلة الزمن يُحسب وقت الظهر المحلي بدقة، وهو نقطة الارتكاز التي تُشتق منها بقية الأوقات.

3.حساب زوايا الشروق والغروب: بمعادلة مثلثية كروية تجمع خط العرض والميل الشمسي، يُحسب متى يصل مركز الشمس إلى انخفاض 0.833 درجة تحت الأفق، وهي الزاوية المعتمدة للشروق والغروب بعد تصحيح انكسار الضوء في الغلاف الجوي ونصف قطر قرص الشمس.

4.الفجر والعشاء بزوايا أعمق: نفس المعادلة تُستخدم لكن بزوايا انخفاض أكبر تتراوح بين 12 و19.5 درجة حسب طريقة الحساب المعتمدة، وهنا يبدأ الاختلاف بين الجهات.

5.العصر بحساب الظل: يُحسب متى يصبح ظل الشيء مساوياً لطوله (الجمهور) أو مثليه (الحنفية)، عبر دالة مثلثية على ارتفاع الشمس.

لماذا تختلف المواقيت بين تطبيق وآخر؟

السبب الأول والأكبر هو اختلاف زوايا الفجر والعشاء بين الهيئات المعتمدة. فجامعة أم القرى تعتمد 18.5 درجة للفجر والعشاء بفاصل زمني ثابت، ورابطة العالم الإسلامي تعتمد 18 للفجر و17 للعشاء، والهيئة المصرية العامة للمساحة 19.5 و17.5، والاتحاد الإسلامي لأمريكا الشمالية ISNA يعتمد 15 درجة للاثنين. فرق درجة واحدة في الزاوية قد يعني فرق 4 إلى 8 دقائق في الوقت حسب خط العرض والفصل. لهذا فإن التطبيق الجيد لا يفرض طريقة واحدة، بل يختار الطريقة المناسبة تلقائياً حسب بلد المستخدم أو يتيح له تغييرها.

تضاف إلى ذلك عوامل أدق: الارتفاع عن سطح البحر (سكان الأدوار العليا والجبال يرون الغروب متأخراً ثوانٍ إلى دقائق)، والمنطقة الزمنية والتوقيت الصيفي، ودقة إحداثيات المدينة المستخدمة في الحساب — فبعض التطبيقات تحسب على مركز المدينة بينما تحسب الأخرى على موقع المستخدم الفعلي.

تحدي خطوط العرض العليا

في الدول الاسكندنافية وشمال أوروبا تنهار المعادلات حرفياً في الصيف: الشمس لا تنخفض 18 درجة تحت الأفق إطلاقاً، فلا يتحقق الفجر ولا العشاء فلكياً، وتعيد الدالة المثلثية قيمة غير معرّفة. تتعامل الخوارزميات مع هذه الحالة بحلول اجتهادية مبرمجة: تقدير الأوقات بنسبة من الليل (كسُبع الليل أو نصفه)، أو اعتماد توقيت أقرب مدينة معتدلة، أو تثبيت مواقيت مكة مع فارق التوقيت. وهذه من أدق النقاط التي تميز التطبيقات المحكمة عن السطحية، إذ يجب أن يكتشف الكود الحالة تلقائياً ويتحول للحل البديل دون أن تظهر للمستخدم أرقام فارغة أو خاطئة.

من المعادلة إلى المستخدم

الجميل في هذه الحسابات أنها لا تحتاج اتصالاً بأي جهة خارجية، فكل المدخلات المطلوبة هي الإحداثيات والتاريخ وطريقة الحساب. وهذا ما يسمح للمواقع المتخصصة بتقديم الخدمة بسرعة ولأي مدينة في العالم، مثل موقع قبلة لمواقيت الصلاة واتجاه القبلة الذي يعرض المواقيت محسوبة حسب موقعك مع تحديد اتجاه القبلة في صفحة واحدة ومن المتصفح مباشرة دون تطبيق. وتتوفر للمطورين مكتبات مفتوحة المصدر تطبق هذه الخوارزميات بلغات متعددة مثل جافاسكريبت وبايثون، مما جعل بناء خدمات المواقيت في متناول أي مطور مهتم.

خلاصة

خلف كل إشعار أذان يصلك، سلسلة حسابات تمتد من الميل الشمسي ومعادلة الزمن إلى زوايا الشفق واجتهادات الفقهاء في خطوط العرض العليا. إنها واحدة من أجمل الأمثلة على التقاء التراث العلمي الإسلامي بالبرمجة الحديثة: معادلات وضع أساسها البتاني وابن الشاطر قبل قرون، تعمل اليوم داخل هاتفك بلمح البصر. وفي المرة القادمة التي تختلف فيها دقائق بين تطبيقين، ستعرف أن السبب ليس خطأً، بل اختلاف زاوية اعتمدتها هيئة فلكية هنا وأخرى هناك.



علي ماهر
علي ماهر
خبرة 11 عامًا في كتابة المقالات في مجالات متنوعة مثل التقنية، السيارات، الساتلايت. يمكن متابعة مقالاتي والتواصل معي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فيسبوك - X (تويتر سابقًا) - لينكدإن
تعليقات